الشنقيطي
86
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فاسِقُونَ ( 81 ) [ المائدة : 80 - 81 ] . ونهى في موضع آخر عن تولّيهم مبيّنا سبب التنفير منه ؛ وهو قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ( 13 ) [ الممتحنة : 13 ] . وبيّن في موضع آخر : أنّ محلّ ذلك ، فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف ، وتقية ، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور ، وهو قوله تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [ آل عمران : 28 ] فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكلّ الآيات القاضية بمنع موالاة الكفّار مطلقا وإيضاح ، لأنّ محلّ ذلك في حالة الاختيار ، وأمّا عند الخوف والتقية ، فيرخّص في موالاتهم ، بقدر المداراة الّتي يكتفي بها شرّهم ، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة . ومن يأتي الأمور على اضطرار * فليس كمثل آتيها اختيارا ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولّى الكفار عمدا اختيارا ، رغبة فيهم أنّه كافر مثلهم . قوله تعالى : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ( 52 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ ( 53 ) [ المائدة 52 - 53 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة أنّ الّذين في قلوبهم مرض ، وهم المنافقون ، يعتذرون عن موالاة الكفّار من اليهود بأنّهم يخشون أن تدور عليهم الدوائر ، أي دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم ، كما قال الشاعر : إذا ما الدهر جر على أناس * كلاكله أناخ بآخرينا يعنون إمّا بقحط فلا يميروننا ، ولا يتفضّلوا علينا ، وإما بظفر الكفّار بالمسلمين ، فلا يدوم الأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه ، زعما منهم أنّهم عند تقلب الدهر بنحو ما ذكر يكون لهم أصدقاء كانوا محافظين على صداقتهم ، فينالون منهم ما يؤمّل الصديق من صديقه ، وأنّ المسلمين يتعجّبون من كذبهم في إقسامهم باللّه جهد أيمانهم ، إنّهم لمع المسلمين : وبيّن في هذه الآية أنّ تلك الدوائر الّتي حافظوا من أجلها على صداقة اليهود ، أنّها لا تدور إلّا على اليهود ، والكفّار ، ولا تدور على المسلمين ، بقوله : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ الآية ، وعسى من اللّه نافذة ، لأنّه الكريم العظيم الّذي لا يطمع إلّا فيما يعطي . والفتح المذكور قيل : هو فتح المسلمين لبلاد المشركين ، وقيل : الفتح الحكم ،